آراء

فلنبنِ الوطنَ في نفوسِ شبابنا .. ينهض على أرضنا

عادل باحميد

|
قبل 2 ساعة و 36 دقيقة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

العقلاء وحدهم يُدركون أن الأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من أرضٍ وما حَوَت، ولا بما رسمته من حدودٍ وما ضمّت، بل بما تحمله في صدور أبنائها من قيم، وبما يسكن أرواحَ شبابها من معنى وانتماء.

وخلال مشاركتي في بطولة كرة الفوتسال للطلاب اليمنيين في الجامعات الماليزية، وجدتني لا أشاهد مباراة كرة قدم فحسب، بل أقرأ مشهدًا وطنيًا عميقًا، تختصر فيه الأقدامُ الراكضة حكايةَ وطن، وتلخّص فيه العيونُ المتطلعة حلمَ جيلٍ بأكمله.

وأدركتُ – بوضوحٍ لا لبس فيه، وكما أنا مدركٌ على الدوام – أن بناءَ الوطن لا يبدأ من الحجر، بل من البشر، ولا يُشيَّد أولًا على الخرائط، بل في النفوس والقلوب والأرواح، فإذا أردنا أن نبني وطنًا، فعلينا أن نبنيه قبل كل شيء في قلوب شبابنا، في وعيهم، في أخلاقهم، وفي إحساسهم العميق بالمسؤولية تجاه أنفسهم وتجاه وطنهم.

رأيت في تلك البطولة شبابًا تختلف ألوانُ فرقهم، نعم، لكن قلوبهم قد صُبغت بلونٍ واحد، تنافسوا بشرف، وتحلّوا بروحٍ رياضيةٍ راقية، واحترموا بعضهم بعضًا، وكأنهم يقدّمون درسًا عمليًا يقول لنا: هكذا ينبغي أن يكون الاختلاف في الوطن؛ تنوّعٌ لا صراع، وتنافسٌ لا إقصاء، وتعدّدٌ لا تمزيق.

إن كل قيمةٍ جميلة نطمح أن نراها في وطننا، يجب أن نغرسها أولًا في نفوس الجيل القادم، إن أردناه وطنًا عادلًا، فلنربِّ شبابنا على العدل، وإن أردناه وطنًا متماسكًا، فلنؤسّس فيهم روح الوحدة والتسامح، وإن أردناه وطنًا قويًا، فلنصنع فيهم قوة الأخلاق قبل قوة السلاح، وقوة الإرادة قبل صخب الشعارات.

فالوطن لا يُنقذ بالخطابات وحدها، ولا يُبنى بالحنين المجرّد، بل يُصنع يومًا بعد يوم في سلوكِ شابٍ، وفي التزامِ طالبٍ، وفي احترامِ قانونٍ، وفي صدقِ نيةٍ، وفي إحساسٍ صادقٍ بمعاناةِ الآخرين، وفي سعيٍ نبيلٍ لخدمتهم. وحين يحمل الشابُ وطنَه في قلبه، ينبضُ به، ويجري فيه حيثما ارتحل أو اغترب.

لقد أكدت لي تلك البطولة أن شبابنا، شبابَ اليمن، أينما كانوا، يحملون في داخلهم وطنًا حيًا؛ لم تقتله الغربة، ولم تُطفئه الأزمات، ولم يخنقه صخبُ السياسة، وطنًا نابضًا بالأمل، ينتظر فقط من يؤمنُ به، ومن يفتح له الطريق ليدلفَ إلى مستقبلٍ أجمل.

إن بناءَ اليمن الجديد لن يبدأ من قاعاتِ السياسة وحدها، بل من مقاعد الدراسة، ومن ملاعب الرياضة، ومن مختبرات العلوم، ومن ميادين التطبيق، بل ومن المقاهي والحواري، ومن كل مساحات التلاقي الجميل بين الشباب. هناك، حيث تُصقل القيم، وتُختبر الأخلاق، ويتشكّل الوعي.

فإذا أردنا وطنًا جميلًا، فلنصنع أولًا شبابًا جميلَ الروح، نقيَّ القلب، صادقَ الانتماء، وحينها فقط، سيولد الوطنُ كما نحلم به، قويًا، عادلًا، نفخر به ونعتز. وتلك مهمتنا جميعًا، حكومةً، ومجتمعًا، وأفرادًا. فهل نَعِيَهَا وننجح فيها؟!

 

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية