آراء

حين يُختطف التعليم… تُغتال الأوطان

د جمال الحميري

|
قبل 2 ساعة و 20 دقيقة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

ما تقوم به مليشيات الحوثي اليوم لا يمكن اختزاله في كونه تجنيدًا للأطفال أو حشدًا للطلاب إلى جبهات القتال فحسب، بل هو مشروع تدمير شامل للإنسان اليمني، يستهدف وعيه قبل جسده، ومستقبله قبل حاضره، وهويته قبل حياته. إنها حرب على التعليم، وعلى العقل، وعلى معنى الوطن ذاته.

في مناطق سيطرة المليشيا، لم تعد المدرسة بيتًا للعلم والمعرفة، بل تحوّلت إلى ساحة تعبئة أيديولوجية، تُرفع فيها شعارات الموت بدل راية العلم، وتُزرع في عقول الطلاب ثقافة الكراهية بدل قيم التفكير والنقد. لم يعد الطالب يُقاس بعلمه ولا بإنجازه، بل بمدى انخراطه في خطاب المليشيا واستعداده للتحول إلى وقود حرب من أجل بقائها في السلطة.

لم تكتفِ المليشيا بتجنيد صغار السن والزجّ بهم إلى محارق الموت، بل مضت أبعد من ذلك في تجريف الهوية الوطنية اليمنية، وتشويه المناهج، وقطع الصلة بين الأجيال الجديدة وتاريخها الجمهوري، وقيمها الثقافية، وانتمائها العربي. إنها تدرك أن السيطرة بالسلاح مؤقتة، أما السيطرة على العقول فطويلة الأمد، ولذلك تستثمر في الجهل، وتخشى التعليم، وتحارب المعرفة.

إن أخطر ما في هذا المشروع أن الرصاصة تقتل فردًا، لكن الأدلجة تقتل جيلًا كاملًا. فصناعة جيل مُدلج، منزوع التفكير، مشوّه الانتماء، تعني تأجيل السلام لعقود، وإنتاج أزمات متجددة يصعب علاجها في زمن قصير. وهذا هو الرهان الحقيقي للمليشيا: يمنٌ بلا علم، وبلا وعي، وبلا مستقبل.

لكن هذه الجريمة لا تخص طرفًا سياسيًا او فئه او جماعة بعينها، ولا يمكن السكوت عنها أو التعامل معها كأمر واقع. فهي مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتق الجميع دون استثناء.

وهنا، فإن الواجب الوطني والتاريخي يُحمّل:

* الأسرة مسؤولية حماية أبنائها، ورفض الزجّ بهم في مشاريع الموت، والتمسك بحقهم في التعليم والحياة.
* المعلم واجب الأمانة العلمية والأخلاقية، وعدم تحويل قاعة الدرس إلى منبر تعبئة أو أداة تضليل.
* النقابات التربوية والمهنية مسؤولية الدفاع عن التعليم كحق وطني، وعن الطالب كإنسان لا كجندي.
* الإعلاميين والمثقفين دور كشف الجريمة، وفضح سياسات التجهيل، وعدم تبرير الانحراف أو تزييف الوعي.
* وزارتي التربية والتعليم والإعلام واجب وطني لا يقبل التأجيل في حماية المناهج، وصون الهوية، وبناء خطاب وطني جامع.
* وزارة الأوقاف والخطاب الديني مسؤولية كبرى في تحريم استغلال الدين لتجنيد الأطفال، وتجريم تحويل المنابر إلى أدوات تحريض وموت.

إن إنقاذ اليمن يبدأ من إنقاذ المدرسة، وحماية الطالب، وصيانة الوعي الوطني. فالدول لا تسقط حين تُهزم عسكريًا فقط، بل حين يُختطف وعي أبنائها. وأي سلطة تبني وجودها على تجهيل الأطفال، إنما تعلن خوفها من المستقبل، وعجزها عن صناعة الحياة.

اليمن يحتاج اليوم إلى جبهة وعي وطنية، تقف في وجه مشروع الموت، وتعيد الاعتبار للتعليم، لأن الوطن الذي يُنقذ أبناءه من الجهل… هو وطن يُنقذ نفسه.

 

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية