آراء

حين تحكم الجباية: كيف يعمل اقتصاد الحرب كنظام حكم في اليمن؟

نايف حمود العزي

|
قبل 18 ساعة و 16 دقيقة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

مدخل: حين لا تعود الجباية أداة مالية بل منطق حكم

في الأدبيات الكلاسيكية، تُفهم الجباية بوصفها وظيفة مالية للدولة، تُمارَس داخل إطار قانوني وتُبرَّر بتمويل السلع العامة وإعادة توزيع الموارد. غير أن هذا التعريف يفقد قدرته التفسيرية في سياقات النزاع الممتد، حيث لا تنهار الدولة فقط، بل يُعاد تعريف الاقتصاد ذاته بوصفه آلية حكم.

في اليمن، لم تعد الجباية مسألة إيرادات، بل أصبحت نمطًا من أنماط ممارسة السلطة، فالقوى التي لا تمتلك دولة بالمعنى المؤسسي وجدت في التحصيل المالي، والرسوم، وتنظيم الوصول إلى السوق بديلًا عمليًا عن القانون والإدارة والشرعية. وهكذا تحوّلت الجباية من أداة سيادية إلى بنية حكم يومي تُنظّم العلاقة بين السلطة والمجتمع، لا عبر الحقوق، بل عبر الكلفة.

لا يناقش هذا المقال من يملك الاقتصاد، بل يذهب خطوة أبعد ليسأل:
كيف يُدار الاقتصاد بوصفه نظام حكم؟
وكيف تعمل الجباية في اليمن كآلية ضبط، لا كسياسة مالية؟


أولًا: من المالية العامة إلى الاقتصاد السياسي للجباية

في اقتصاد الحرب، لا تعمل الجباية ضمن منطق الموازنة، بل ضمن منطق السيطرة، فهي لا تُقاس بحجم ما تُحصّله، بل بقدرتها على فرض الامتثال. وبهذا المعنى تتحول الرسوم، والإتاوات، والضرائب غير المعيارية إلى أدوات لإعادة هيكلة الحوافز الاقتصادية، بحيث يصبح الامتثال أقل كلفة من الرفض.

تُفرَض الجباية هنا لا بوصفها التزامًا قانونيًا، بل شرطًا لدخول السوق أو البقاء فيه فالتاجر، والناقل، والمنتج، لا يدفع لأنه جزء من عقد اجتماعي، بل لأنه يشتري «الاستمرار». وهنا تنتقل السلطة من مستوى السياسة إلى مستوى السلوك الاقتصادي اليومي.


ثانيًا: الجباية كآلية ضبط لا كأداة تمويل

على خلاف الدولة التقليدية التي تسعى إلى تعظيم الإيرادات ضمن قواعد مستقرة، يعمل اقتصاد الحرب على تعظيم قابلية السيطرة، حتى وإن جاء ذلك على حساب الكفاءة الاقتصادية. ولهذا فإن تعدد الرسوم، وعدم وضوحها، وتغيرها المستمر، ليست اختلالات عرضية، بل مكونات وظيفية.

يتحوّل عدم اليقين ذاته إلى أداة حكم، فحين لا يعرف الفاعل الاقتصادي ما الذي سيدفعه غدًا، أو لمن، أو على أي أساس، يصبح أكثر ميلًا للتكيّف وأقل قدرة على الاعتراض أو التنظيم. وبهذا، تعمل الجباية كآلية لتفتيت المخاطر الجماعية ومنع تشكّل مقاومة اقتصادية منظمة.

وتتضاعف خطورة هذا النمط حين تنفصل الجباية كليًا عن أي وظيفة توزيعية. فالموارد المُحصّلة لا تُعاد إلى المجتمع حتى في صورتها الدنيا، كرواتب منتظمة أو إنفاق عام قابل للتتبع، ما يحوّل التحصيل من أداة مالية إلى استخلاص قهري للثروة بلا مقابل اجتماعي. وفي هذا السياق، تفقد الجباية معناها الضريبي بوصفها جزءًا من عقد اجتماعي ضمني، وتتحول إلى ممارسة حكم تُفرض بالكلفة لا بالالتزام المتبادل.


ثالثًا: الاقتصاد كبديل عن الإدارة

في ظل غياب جهاز إداري فاعل، تحل الأدوات الاقتصادية محل البيروقراطية. فبدل الترخيص، هناك رسوم، وبدل التنظيم، هناك نقاط تحصيل؛ وبدل القضاء، هناك كلفة اقتصادية للعصيان.

وبهذا المعنى لا يعكس اقتصاد الحرب غياب الحكم، بل شكلًا مختلفًا منه، حكم بلا مؤسسات، لكنه بأدوات. وأدواتهُ ليست القوانين، بل الأسعار، والرسوم، والتحكم في التدفقات.

ومع تآكل الأدوات الإدارية التقليدية، جرى توسيع الاعتماد على الرقمنة المالية وأنظمة الدفع الإلكتروني بوصفها بديلًا وظيفيًا عن البيروقراطية. ففي بعض مناطق النزاع لم تُستخدم النقود الإلكترونية لتعزيز الشمول المالي أو تحسين الكفاءة، بل لإعادة تركيز السيطرة على التدفقات النقدية، وتقليص هامش المناورة خارج منظومة التحصيل. 
وبهذا المعنى تحولت التكنولوجيا من أداة تنظيم اقتصادي إلى أداة ضبط، تُمارَس عبرها السلطة بصورة أقل كلفة، وأكثر إحكامًا، وأقل قابلية للرصد أو الاعتراض، ما يمنح هذا النمط قدرة عالية على الاستمرار.

 

رابعًا: التفاوت الوظيفي للجباية بين صنعاء وعدن

رغم وحدة المنطق العام تختلف وظيفة الجباية باختلاف البنية السلطوية، ففي مناطق سيطرة صنعاء، تعمل الجباية ضمن نموذج أقرب إلى «الاحتكار المنظم»، حيث تُستخدم مركزية التحصيل لإنتاج استقرار نسبي في التدفقات، ما يمنح السلطة قدرة أعلى على التخطيط والسيطرة.

أما في عدن والمناطق المحررة، فتعمل الجباية ضمن نموذج «التعدد التنافسي»، حيث تتوزع أدوات التحصيل بين فاعلين متعددين، ما يحوّل الاقتصاد إلى مساحة تفاوض دائم، ويجعل الجباية أداة لإدارة التوازنات أكثر منها أداة ضبط مركزي.

لا يعكس هذا التباين قوة هنا وضعفًا هناك، بل يعبّر عن نمطين مختلفين من الحكم الاقتصادي داخل اقتصاد الحرب ذاته، إن "الاستقرار" في صنعاء هو استقرار "استنزافي" طويل الأمد، بينما "التشظي" في عدن هو اضطراب "تضخمي" لحظي، وكلاهما "اقتصاد حرب" مدمر.

 

خامسًا: كلفة التعايش مع الجباية كنظام حكم

تكمن خطورة هذا النمط في أنه يخلق اعتيادًا اجتماعيًا، فمع الوقت يتكيّف الأفراد والأسواق مع الجباية بوصفها «طبيعة الأشياء»، لا بوصفها انحرافًا. غير أن هذا التكيّف لا يعني قبولًا كاملًا بهذا النمط من الحكم الاقتصادي. فمع تصاعد كلفة الجباية تتخذ المقاومة الاقتصادية أشكالًا صامتة وغير مُسيّسة، مثل إخراج رؤوس الأموال من الدورة المحلية، وتحويل الفائض إلى الخارج، أو نقل النشاط التجاري إلى قنوات غير مرئية وأقل خضوعًا للتحصيل. وهي استجابات لا تهدف إلى المواجهة المباشرة، لكنها تعبّر عن رفض اقتصادي كامن، يُقوّض القاعدة الإنتاجية على المدى الطويل، ويحدّ من قدرة نظام الجباية على إعادة إنتاج نفسه دون تكلفة متزايدة.

وكلما طال أمد هذا التكيّف، ارتفعت كلفة الانتقال لاحقًا إلى نظام إيرادات مؤسسي، ليس لأن المجتمع يرفض الدولة، بل لأنه أعاد تنظيم سلوكه الاقتصادي خارجها. وهكذا لا يُقاس ضرر اقتصاد الحرب بما دمّره فقط، بل بما أعاق إمكانية البناء لاحقًا.

ما يعيشه اليمن اليوم ليس فوضى مالية، بل نظام حكم اقتصادي كامل الوظائف وإن كان مشوَّهًا، نظام لا يحتاج إلى شرعية معلنة، لأنه يعمل عبر الكلفة والمنفعة، لا عبر الخطاب.

غير أن فهم هذا النظام هو الخطوة الأولى لتفكيكه، فالجباية التي حلت محل الدولة يمكن—إذا أُعيد تنظيمها—أن تصبح مدخلًا لاستعادتها. إلا أن هذا الانتقال لا يحدث تلقائيًا، بل يتطلب إعادة هندسة واعية للإيرادات، تفصل بين التحصيل كسلطة، والإيراد كوظيفة عامة.

ومن هنا، يصبح السؤال التالي ليس سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا بامتياز:
كيف نعيد هندسة الدولة من بوابة الإيرادات؟

وهو السؤال الذي تمهّد له هذه القراءة، وتُفرد له المقالة التالية.

25-1-2026

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية